أتجاهل القلم ... بقلم \ ليلى كافي
"أحيانا
أتجاهل القلم وأعزف عن الكتابة،لكنّني أتنفّس القراءة، أُدْمِنُ المطالعة
وأُصادق الكتاب"...هذا ما أخبرتُ به قهوتي هذا الصّباح.
ابتسمتْ تلك الماكرة
قائلة:"فعلا...لقد أصبح الكتاب ضيفا مسائيّا بعد أن كان سيّد
الصّباح،...لقد احتكركِ القلم لنفسه وعَبَثَتْ بنفسِكِ الحروف فأَصْبَحْتِ
تُلاحقينها لعلّها ترتدي تلك المعاني المُتراكمة في ذهنكِ مُكدّرة
صفو نفسك باحثة عن منفذ للخروج إلى الحياة...عسيرة هي ولادة تلك الكلمات،
بَعْثٌ ينتظر إذنا من المزاج"...
قرّرتُ اليوم أن أحتفي بالكتاب لِأُرْضِيَ قهوتي،...حين أكتب تكون
هي سيّدة المزاج، لكنّي حين أقرأ أكون سيّدة نفسي،... ولعلّ نوع الكتب التي
أقرؤها هي التي تجعلني أختلف من يوم إلى آخر لأكون طفلة مع "كليلة ودمنة"
إذ تُبهرني الحيوانات النّاطقة، لكنّها تُعلّمني الحكمة وتجعلني أتمثّل
الواقع كما رسمه الكتاب منذ سنين فالأسد لازال غبيّا والثّعلب لازال ماكرا
والرّعيّة لازالت تتعامل مع الحاشية بحذر خوفا من بطشها،.......وقد أكون
عاشقة تكتب للعشق مع "ليلى الأخيلية"، تلك التي تمرّدت حين كان شعر الغزل
ذكوريّا،...وأنا نديمة القهوة أسافر في عالم "درويش" فأترشّف من قهوته ولا
أرتوي،.. ومهما قرأتُ ل"نزار " فأنا لن أتخلّى عن كوني قطرة ماء لفظتها
السّماء وقت السّحر في "مطر" "السّيّاب"،....وكأنّ العدم يُحاصرني بين حين
وآخر عندما يعودني سطر من سطور "الماغوط" حين يقول:"بدأتُ وحيدا، وانتهيتُ
وحيدا، كتبتُ كإنسان جريح وليس كصاحب تيّار أو مدرسة"،...وبين مئات الكتب
تستوقفني كتابات"تشيخوف"فتُخاطبني حروفه قائلة:"لا تغترّي فالكتابة كتابة
للنّفس لتكون كتابة"،...وأسير مُحلّقة فوق غيمتي الشّريدة بين
الفلاسفة،...وتتعدّد الكتب بين النّثر والشّعر كلّ يحمل لواءه بشعارات
مختلفة من حبّ ووطن وسياسة.....وتختلف المعايير وتتنوّع المضامين، وأنا
مُشتّتة بين هذا الكمّ الهائل من كتب تستحقّ أن أمنحها من حياتي الفكر
والقلب وأخرى أندم أنّني نظرتُ إليها مُجرّد النّظر ، فالتّفاهة طالت كلّ
المجالات مُقتحمة عالم الكتابة... قرّرتُ اليوم أن أُقْصِيَ
القلم بين الحين والآخر، فالكتاب نبض أستعيد به نفسي التي لا أجدها إلا بين
ما يخطّه هذا القلم خلف السطور....ها أنا الآن مع قهوتي نتصفّح كتابا
كئيبا بدأناه ذات يوم كئيب لِنرى موقعنا في هذا العالم،....مُثير هذا
الكتاب، قاسية مُقدّمته الحزينة التي بدأها بقول ل"لنسيلوت اندراوس"(سياسي
وأسقف بريطاني عاش بين 1626-1555):"الأرض صحن من اللّحم موضوع على المائدة،
يقطع منه الإنسان ما يشتهي.وما إن يضع القطعة في صحنه حتّى تصبح له.كذلك
إذا اقتطعنا بلدا ما من الأرض، فإنّه يصبح لنا"....!!!!...قول أحزن
نفسي وأزعج قهوتي، هكذا كانت مقدّمة كتاب"جيوبوليتيك الدّمّ،التّاريخ
الأسير والجغرافيا المُتصدّعة"،هو كتاب مُمتع رغم واقعه الكئيب، كتاب جعلني
أخرج عن "يوميّات قهوة" التي قد أنشرها يوما لِأبحث عن نفسي فيه...لا أعرف
لِمَ رَبَطَتْهُ نفسي بكتاب آخر قرأته منذ سنوات،"قصّة السّويس:آخر
المعارك في عصر العمالقة"لمحمّد حسنين هيكل، وكأنّ هذا الكتاب هو نهاية
مرحلة ليكون كتاب "جيوبوليتيك الدّمّ" تصوّرا لمرحلة جديدة نحن بصدد عيشها
دون وعي،دون تمثّل للوجود... هكذا
أنا اليوم أكتب نصوصا تُشبهني وأقرأ نصوصا تُشبه بقيّة البشر،...قد أغيب
فترة، قد أتخلّف عن الكتابة اليوميّة لأنّني أحاول تمثّل نفسي في هذا
العالم لأرسمها سطورا في قادم الأيّام...
ورغم سعادة قهوتي بتفضيلي للكتاب
على القلم أقول لها:"من لا يُصادق كتابا لا يُمكن أن يحظى بثقة قلم"...
[[ ليلى كافي/تونس]]

تعليقات
إرسال تعليق