"الحريق" ... بقلم \ الكاتبة منى البريكي

قصة قصيرة "الحريق"
-"بماذا تشعرين الان؟"
سألها الطبيب حين استفاقت لتجد نفسها متلحفة بضمادات غارقة في الدواء ؛تفوح منها رائحة الكحول النفاذة و هي لا تقوى على الحركة .
حركت رأسها بصعوبة و أومات له أن يقترب منها اكثر لتهمس بكلمات بالكاد يسمعها
-"أين أنا الآن يا سيدي ؟هل أنقذتم الطفلة سارة
؟كيف حالها الآن ؟"
رد الطبيب و هو ينظر إليها باستغراب خالطه إعجاب بجميل صنيعها مع الطفلة التي كانت معها في شقة بالطابق الثالث للعمارة التي شب فيها حريق هائل.
-"انا شديد الانبهار بكل ما فعلته لانقاذ الصغيرة من الحريق .كيف استطعت إخراجها من بين ألسنة اللهب المتصاعدة و الدخان يملأ المكان و أنت الطفلة ذات الأربعة عشر ربيعا ؟"
أغمضت جميلة عينيها إعياء تداعى له جسدها ألما ووجعا لكثرة الحروق المتناثرة عليه كأسمال ثوبها البالي
الذي كانت تلبسه يوم قدومها الى المدينة لتعمل كمعينة في شقة مؤجرتها المهندسة بعد أن أجبرها والدها على الانقطاع عن دراستها رغم تفوقها لتعيل اخوتها الصغار و تساعده على توفير الادوية اللازمة لأمها المريضة .
و لأنها لم تقو على الرد فقد طمأنها قائلا و الممرضة تغرس الإبرة في وريدها :"لا عليك ارتاحي قليلا حتى يسري مفعول الدواء في جسمك و ستشعرين بالتحسن .أما سارة فهي الآن بين أحضان والديها موفورة الصحة و الفضل يعود لشجاعتك أيتها البطلة الحلوة ."
و بعد برهة قصيرة دخلت سيدتها الغرفة و هي تحمل البنية التي أصرت ان ترى صديقتها و البشر يعلو محياها و هي لا تكاد تصدق أن وحيدتها لم تصب بأذى.
وضعت بجانبها باقة ورود طبيعية مختلفة الألوان يضوع منها عطر أخاذ و قبلتها و هي تقول
:" لا أعرف كيف أشكرك يا جميلتي.اطلبي ما شئت أنا طوع بنانك .سأقدم لك التعويض الذي ترغبين."
اندهشت الفتاة لعرض سيدتها و قاطعتها قائلة :" قد أكون فقيرة يا سيدتي و لكنني ساعدت ابنتك لوجه الله و لأنني أحبها كإحدى أخواتي و كنت مستعدة لأفديها بروحي .و لن أغرمك مليما واحدا لقاء صنيعي.فديننا الحنيف أمرنا بالتقوى و الإيثار و أن لا ننتظر جزاء الا من الله رب العالمين .فكيف أقبل الجزاء في الدنيا و جزاء الآخرة خير و أبقى؟"
اندهشت المهندسة من الموقف النبيل و سألتها :"كيف تدركين قيمة البذل و العطاء و انا لم ارك تقرأين القرآن يوما؟"
فأجابت الطفلة بتسليم :"ليس المهم ان تري بيدي كتاب الله بل الأهم ان تريني أعمل بما جاء في آياته البينات. فالدين ما وقر في القلب و صدقه العمل ." هكذا كان يردد معلمي في تلك المدرسة التي تركتها مرغمة."
ابتسمت المرأة و احتضنت جميلة و هي تقول :"من اليوم ستواصلين دراستك و ستكونين ابنتي الثانية ."
بقلمي منى البر يكي/تونس



تعليقات