عيّادة ... بقلم \ حنان الرقيق الشريف

🌹عيّادة🌹
كانت الحافلة تمخض الأطفال مخضا∙كانت تغربل أوجاعهم لاستقبال يوم ممضّ جديد∙و كانت عيّادة الطّفلة البدويّة الحسناء ذات الشّعر الأسود الفاحم و العينين السوداوين
تنتظر بفارغ الصّبر أن يحلّ الرّكاب بالمكان المجهول∙ قيل لها إنه شارع خلفيّ بالعاصمة أطلق عليه كبار القوم "شارع الشّهداء"∙
لم تفهم كنه التّسمية لكنّها استبشرت باحتضان فضاء جديد لشقائها اليوميّ∙ لم تعد مضطرّةً إلى التسوّل من السّابلة ∙
و لم تعد مجبرة على الوقوف لساعات طوال بجانب إشارات المرور تتسلّل بين السيّارات لبيع المناديل الورقيّة∙ لقد طلب منها "ساطور" زعيم الفرقة أن تبيع الفحم قبل يومين من عيد الإضحى∙
لعلّ ذلك يدرّ عليه ربحا وفيرا ∙فأعاد ترتيب مهام الأطفال∙كان كل يوم يقلّهم من مخبئهم المتعفّن و لا يعود إليهم إلا مساء عندما يتأكد أن النّقود ترنّ في جيوبهم المثقوبة∙ كان يستغلهم في التّسول أو في التّحيّل أو في بيع أشياء تافهة∙يستنزف قوتهم و يهرق كدّهم على زجاجاته النّتنة∙
اِستعدت عيّادة للنّزول من الحافلة ، سلّمها كيسا كبيرا مملوءا فحما عجزت عن حمله ∙ فتنمّر وجهه العكر و كوّر يده و كاد أن يسدّد لها لكمة ∙ لكنّ النّدوب الزرقاء على محيّاها جعلته يعدل عن الأمر ∙ قد يؤجل ذلك ليوم آخر.
تفرّس لأول مرّة في وجهها الصّبوح∙ لم يلحظ أبدا أنّها بدأت تكبر و أنّ أنوثتها طفقت تزهر∙
تحرّك شيطان الغواية في جمجمته الخاوية∙ فوعد إبليسه بوليمة فاخرة تعدّها صبيّة الاثنتي عشرة سنة∙
تملّت قسماته البشعة في براءة∙ و لم تدرك سرّ الشرّ الكامن في أحداق هذا الرّجل الأشيب السّكّير القذر
صاحب العصا العقفاء التي يتخذها سوط عذاب للأطفال ∙
اِستسمحته أن تبدأ عملها∙فنزلت من الحافلة ملوّحة بيديها الناعمتين لرفاقها البؤساء أكثر من مرّة∙
كان النعاس يجثم على أعينهم الثّقيلة المتعبة و لم يتفطنوا لوداعها∙ أعادت الكرةّ لكن أصدقاءها
أصابهم خدر المسافات∙ جعلت الحافلة تمخر عباب الطريق
و عيّادة تردد هامسة"إلى اللقاء أحبتي أراكم مساء".
جمعهم نفق صغير بجانب قطار أصفر تصدّأت أركانه بعد أن لفظتهم العائلة و المدرسة و بعد أن عصفت بهم الحياة و تقاذفتهم على الأرصفة و السكك الحديدية الهامدة و تفطّن إلى وجودهم لصّ الأطفال"ساطور " فامتصّ رحيقهم في أعمال التسوّل و الاحتيال∙و فكّر جدّيا في بيع القراطيس الصّغيرة أو في نهش لحم الفتيات∙
و رضيت عيّادة مجبرة بهذه الأعمال∙فقد فقدت والديها في حادث مرور مروّع∙ نثروا الحبّ و ناموا نومتهم الأبديّة∙ فطردها عمّها من المنزل طمعا في الجدران و قطعة الأرض الخضراء∙ فهجرت القرية إلى المدينة مع بعض الرفاق الذين حدّثوها عن الأضواء السّاطعة و عن المباهج الخلاّبة∙
توسّدت الطّريق في اللّيالي العاصفة و لم يهتمّ أحد∙ بكت حظّها تحت أسوار المدينة الثّكلى و لم يأبه أحد∙ تورّمت يداها و رجلاها من العمل و بدأت بقعة الظلام تكبر و تتّسع شيئا فشيئا∙ نقمت على الدّنيا و على الأهل الذين غدروا
و خانوا أمانة والديها∙ لا تتذكّر ملامحهم كثيرا بيد أنها لم تنس أنهم أسموها عيّادة لأنها ولدت ليلة العيد∙
تبّا لهذه الذاكرة كلما خدرتها تصحو من جديد تجتثّ صور الماضي من ركن دافئ في القلب∙∙
كانت الفرحة فرحتين الخروف يثغو و عيّادة تُـناغي ∙جوقة من الأصوات جعلت الوالدين سعيدين∙ هكذا روت لها أمّها∙ تأتي أعياد و ترحل و عيّادة لا تشعر بالأمان∙ سكنت مدينة الأحزان∙ صارعت نوائب الدّهر حافية القدمين∙و لكنّها لم تطأطئ رأسها قطّ∙
أيقظها من غفوتها صوت المزامير في الشّارع الجديد∙ بعض الأطفال يلهون بدراجات زاهية الألوان
و البعض الآخر يمسكون بأذيال أمهاتهم أمام مرايا المغازات التي تكشف خداع العابرين∙فتخيّلت نفسها ترفل في فستان أسود مرصّع باللآلئ البرّاقة∙
عيّادة لا تعرف من العيد إلا اسمها∙ ظلّ محفورا في ذاكرتها كوشم جميل∙ و لا تتذكّر من فرحته إلاّ دندنات أمّها "يا ليلة العيد أنستينا" فيهمس والدها نشوان حاضنا عيّادة "و جددت الأمل فينا"
أين تلك السّعادة التي كانت ترفل في ثوب زهري لمّاع؟
اِقتربت عيّادة من محل لبيع الحلوى الفاخرة و الشكلاطة. كانت ترمق من بعيد أفواج الأطفال يتزاحمون على الشّراء
و يخرجون محمّلين بعلب جميلة∙ تمنّت في سرّها أن تتذوق الحلوى ، أن تجرّب سرّ الشكلاطة ∙راحت تقتفي أثر الحلم في يوم عاصف∙
عادت من جديد إلى سياط الواقع يجلدها∙ فاستفاقت على كيس الفحم أمامها و بدأت تنادي لعلّ أحدهم يسعفها ببعض المليمات∙ هل تستطيع هذا العيد أن تشتري قطعة حلوى ؟لعلّها في طعم الفحم أم تراها ألذ؟؟
نظر إليها بعض المارة بازدراء∙ و استغربوا وجودها في هذا الشارع∙ هالتهم ملابسها الرثّة و شعرها المجعّد و وجهها الكاسف∙و أشفق عليها أحدهم فاشترى كيسا و الآخر كيسين∙ شدّتهم ملامح الحسن و البراءة رغم الإهمال.
اِنقضى يومها سريعا∙و سعدت بكسب يسدّ الرّمق و يخرس "ساطور"∙ ما جعله يعود بها في اليوم الموالي إلى نفس المكان∙ و خمد شيطان الشّهوة عندما لمعت النّقود أمامه∙
حلّت ليلة العيد و عيّادة ترابط في نفس المكان و رائحة الحلوى تشقّ أنفها و تدغدغ حواسّها∙
لم يبخل عليها أبوها أبدا بملذّات الطّفولةِ و إن كان الدّخل زهيدا∙فاحتفظت بمذاق الشّهد في حلقها كسطوة الذّاكرة∙
و راحت تغنّي في شجن "بيت العزّ يا بيتنا على بابك عنبتنا"
كانت العريشة تظلّل البيت بفيئها و كانت عيّادة تجد فيها متنفّسا للعدو وراء الفراشات∙
ركبت صهوة الذّاكرة و حصدت عنق الواقع∙و بدأت ترقص على مدارات الحنين∙
تطايرت بالونة ورديّة أمامها فحاولت الإمساك بها مثلما كانت تسعى وراء الفراشات∙ ريشة جميلة تتقاذفها الشّوارع∙ نخر دود الحقيقة خيالها إلا أنها لم تذعن لمرأى الفحم أمامها∙ الأكيد أن الحياة بالألوان∙سترتدي في العيد ثوبا مقصّبا ،سترفل كأميرة أسطوريّة، ستوقد مشكاة السّعادة و سينطفئ لهيب الألم، ستتخلّص من "ساطور" ومن نظراته المريبة لجسدها، ستسدّ كل الدروب أمام طمعه الحيواني، سيزهر قلبها المريض، و ستتدلى عناقيد الفرحة∙
لم تتفطن أنها اقتربت كثيرا من السيارات المولولة في الطريق∙لم توقظها المنبهات الجامحة ∙
شمعة متوقّدة وسط عالم جاحدٍ∙ الكلّ يجري للاحتفال بالعيد∙
يسقط بغتة طفل أنيق قطعة حلوى على الأرض فيبكي
و يتعالى عويله ∙ فتقترب عيّادة لتلتقط الحلوى
و تسكت الصّغير∙لم تنو أبدا أن تلعقها∙و من بعيد تلوح سيارة مجنونة يرقص سائقها على أنغام "الليلة عيد"
و يدهس عيّادة و يغرق دمها شارع الشهداء∙∙∙
بقلمي :🌼حنان الرقيق الشريف🌼
🍀 (تونس/صفاقس)🍀



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ألف لام ميم .. الألم .... بقلم \ أشرف سلامه

ليتها تعلم / بقلم / عبيد رياض محمد

الانتظار ... بقلم \ حمادي أحمد آل حمزة