بحث في علم الموسيقى أصلها ونشأتها وتعريفها وتاريخها ... جمعه \ د. عبدالمجيد محمد باعباد
بسم الله الرحمن الرحيم
بحث في علم الموسيقى أصلها ونشأتها وتعريفها وتاريخها
جمعه الباحث في الفنون والآداب الإنسانية د./ عبدالمجيد محمد باعباد
تمثل الموسيقى فنًّا أصيلًا وعلمًا رئيسًا في قطاع الحضارات الإنسانية القديمة والحديثة منذ فجر الإنسان الأول وهي لذلك ترتبط به في رحلته الطويلة عبر الأجيال ومن خلال التطور الحضاري الهائل، تشكل علم الموسيقى بالتبعية وفقًا لملامح كل عصر وفكره وأحاسيسه ووفقًا لملامح كل بيئة.
وقبل أن نبدأ الحديث عن تاريخ الموسيقى في حضارة الإنسان قد يقول قائل: ما هي الموسيقى؟
إنها علم الشعور والإحساس وهي تروي الأرض والناس ودماء الوجدان وألحان الزمان والمكان، تدفع الحياة في قلوب البشر، وسر يحكم الروح، وصوت يرتفع بالإنسان ويجعل منه حكمة وعبقرية ووحدة نبض الوجود، وإيقاع الأمل وعزاء وبراء وفداء ونشيد، يعزف بها كل البشر ، وترددها الطبيعة والتاريخ والأساطير والعقائد والأديان والكون والأحلام دون ضجر ، إنها اللغة الوحيدة التي يفهما كل العالم .
وفي الحضارات القديمة كانت الموسيقى وسيلة رئيسة للعبادة والربط بين الآلهة والبشر ونشر التعاليم والقوانين والفضيلة والتربية فضلاً عن استخدامها في الحروب كوسيلة لتوحيد المشاعر وشحن الأحاسيس ودفع الحركة البشرية وتنظيمها وألحانها هي لحن تحريك الجيوش وترتيبهم، كما صاحبت الرقص والطقوس الدينية والتقاليد الاجتماعية.
كانت بلاد الشرق بلاد العرب حالياً مركز الحضارات القديمة وعلى رأسها اليمن والعراق ومصر موطن الإنسان الأول وهي بلاد مجرى الأنهار امتدادًا من حضارة اليمن إلى حضارة بابل وحضارة وادي النيل وهكذا ظلت روح الشرق منبعًا خصبًا ومصدرًا دائماً لإلهام الكثير من عظماء مؤلفي الموسيقى في كل بقاع العالم.
لقد عرف الإنسان الأول المقامات والإيقاعات وتفوقت المدنيات القديمة في هذين العنصرين وقد ظلا حتى الآن يمثلان أهم عناصر الموسيقى في كافة البقاع ومن كل الأساليب الموسيقية حتى بداية القرن العشرين لكن تبسيطًا للقارئ الكريم نورد
أصل الموسيقى ونشأتها وتعريفها وتاريخها.
تعريف الموسيقي وطبيعتها ونشأتها:
الموسيقى لغة: لفظ يوناني يطلق على فنون العزف على آلات الطرب ولفظة موسيقى باللاتينية مشتقة من لفظة موس ومعناها إله من آلهة الفنون .
علم الموسيقى:
علم يبحث فيه عن أصول النغم من حيث التآلف أو التنافر و أحوال الأزمة المتخللة بينها، ليعلم كيف يؤلف اللحن طبيعة الفن الموسيقي عند القدامى لقد كان القدماء يؤمنون أن للموسيقى في النفس تأثيراً يتجاوز تأثير سائر الفنون فيه، وآية ذلك تلك القصص والأساطير العديدة التي نسبت إلى الموسيقى قوى خارقة تؤثر على الطبيعة،أو على النفس الإنسانية ، فتجعلها تنقاد لإغراء عرائس البحر مع أن في ذلك حتفها.
وفي عالم العقائد كان للموسيقى أهمية كبرى حيث كانوا يستعينون بالموسيقى في بث الإيمان بها في نفوس الناس حيث كانت الموسيقى الأوروبية خلال العصور الوسطى مرتبطة بالكنيسة وفضلاً عن ذلك فإن الموسيقى تستند إلى أساس علمي يتضمن الطبيعة والرياضيات، كما أن بينها وبين كل من الأدب وسائر الفنون روابط وثيقة إلى حدٍّ ما، ولقد تأثرت الموسيقى بالشعر وفن العمارة والنحت والتصوير والرقص والتمثيل والفنون الآلية ، كما أنها قد كانت موضع اهتمام الفلاسفة والتأمل في المعنى الباطني للحياة الإنسانية ومنذ القدم أي من أ كثر من ألفي سنة ،خضعت جميع الإنجازات في الموسيقى لأحوال الحضارة في العصور المختلفة ، وبالتالي توقعوا تأثر الموسيقى الحديثة بالتربة التي نشأت فيها كما توقعوا انعكاس معتقدات العصر الحالي والأحوال الفكرية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية السائدة عليها.
أصل الموسيقى ونشأتها من أقدم الفنون عهداً في تاريخ الإنسان و لا يُعلم أصلها بوجه التحقيق،وقد أدجنت سماؤها و تنكرت معالمها أحقاباً متطاولة لعجز الأقدمين عن استقراء حقائقها.ومما لا تخالطه شبهه أن الموسيقى كانت في أول عهدها مقصورة على الصوت الطبيعي أي أن الموسيقى عبارة عن إيجاد لعناصر الطبيعة ( كصوت الطيور و الحيوانات و الأنهار و الأشجار و غيرها ) ، إلى أن تنبه الإنسان بذكائه على سبيل الإنفاق إلى اختراع الآلات عند سماعه صفير الهواء المتولج في الثقوب، فاستعمل للنفخ أنابيب القصب، و للعزف أوتار القسيّ.وقد وصلت الموسيقى إلى العرب عن طريق اليونان والفرس فلابد أن نرجع في بيان معنى الموسيقى في لغة العرب وهو العزف إلى القواميس العربية؛ فإننا نجد أن أصل العزف في اللغة العربية هو: صوت الرياح ودويها؛ ثم أطلق العرب العزف على صوت آلات الطرب؛ وسموا هذه الآلات: معازف؛ جمع معزفة، وسموا اللاعب بها والمغني: عازفاً؛ فالمعازف في اللغة العربية اسم يطلق على كل آلات الملاهي التي يعزف بها وتحدث أصواتاً مطربة، كالطبل والعود والطنبور فيدخل في اسم (المعازف) ما يعرف اليوم بالموسيقى، فهي أصوات وألحان وأنغام مطربة، تصدر عن آلات ومهما كان اسم هذه الآلات.
والحق أنَّ المعازف وآلات الطرب كثيرة، منها ما عرف قديماً، ومنها ما عرف حديثاً، وحتى تتضح المسألة أكثر أن الموسيقى كعلم وفن عرفه العرب من حضارة اليونان لكن الذي زاد علم الموسيقى تطوراً وازدهاراً هو فضل علماء المسلمين في تطوير هذا العلم في عصر الترجمة من لغة اليونان إلى اللغة العربية لكن الدور الذي أسهمه العلماء في عصر الحضارة الإسلامية وما قام به العلماء المسلمون كالفارابي والكندي والخوارزمي وابن الهيثم وغيرهم في تفكيك عقد هذا العلم وتسهيله وتطويره وفك حساباته ورموزه وتبسيط معادلاته.
وإذا أردنا أن نتبين أن علم الموسيقى كان له دور في اللغة العربية وا لمعاني التي تتجسد فيها الأصوات الموسيقية لوجدنا أن الأصوات تقابل الكلمات في اللغة العربية وفي الفنون القولية التي تعتمد اللغة في وجودها وفي وسائل التعبير بوجه عام وكما أن الكلمة تحمل المعاني والأفكار في هذه الفنون وتشكل وسيلة تناقلها بين البشر فكذلك الأصوات الموسيقية تتشارك اللغة في نفس الصفات، ولوجدتم أن الشعر العربي هو موسيقى اللغة العربية وأن علم العروض والبحور التي أسسها الخليل بن أحمد الفراهيدي قائمة على أساس علمي لغوي صوتي موسيقي ناهيك عن ارتباطها باللغة وقواعدها ونحوها لذلك في لغتنا موسيقى لا توجد في أي لغة من لغات العالم ،لذلك فالأدب والشعر العربي شكل رافداً علميًا لتطوير علم الموسيقى قبل أن يعرفها الغرب كعلم بحد ذاته إلا بعد أن عرفوها عن طريق كتب علماء المسلمين الذين وضعوا لها حسابات وزموزاً. بعد ذلك أخذت الأمم الآخرى بترجمة تراثنا العربي مع تناسي دور علماء الحضارة الإسلامية،
فالجملة في الأدب والشعر تقابلها الجملة الموسيقية المكونة أيضًا من عرض لفكرة تطرح للبحث والتنفيذ والتفاعل وهكذا فإن المعنى في الفن الموسيقي تحمله الألحان أو ما يسمى بالأفكار الموسيقية التي يبنى عليها العمل الموسيقي وهو الأفكار والألحان هي التي تتكامل في نسيج لحني وبناء انفعالي لتكون الموضوع العام الذي يحمل أفكار المؤلف وأحاسيسه ومضمونه العام في عمل كبير متكامل. وعندما نستمع إلى أداء جيد لعمل موسيقي فإننا نتجاوب معه عاطفيًا لما يحركه في نفوسنا من أحاسيس وبعض هذه الأحاسيس تحركها فينا أصوات الآلات النحاسية مثلاً وهي تعلن عن ذروة في بناء اللحن وأحاسيس أخرى تفجرها فينا أصوات إيقاعية ترتبط بنبضات قلوبنا ومشاعر أخرى تطفو في نفوسنا مع لحن هادئ يعبر عن السلام والحب .. وعلى ذلك فإن التجاوب البشري للأداء الموسيقي يرتبط بنوعية الأداء ويختلف باختلاف الظروف المحيطة بالمستمع لأن العنصر العاطفي للتجاوب الإنساني مع الموسيقى هو عامل مهم في تعميق أحاسيس البشر ومفاهيمهم وفي تحريك مشاعرهم وسرعة استدعائهم في أعماق نفوسهم .. وكل ذلك يزداد قوة وعمقًا باطِّ راد زيادة الخبرة في الاستماع والتذوق الموسيقي ، ويتحقق المعنى الموسيقي ويتضح للمستمع من خلال الأحاسيس التي تكمن بين ثنايا الأنماط الموسيقية المختلفة وتختلف باختلاف أنواعها وباختلاف العلاقات بين الأصوات والتراكيب السمعية وتتباين وفقا لتباين التنظيم الداخلي للأفكار الموسيقية وكيف يمكن أن يكون الإنسان عظيماً أو مجيدًا أو حاكمًا لمهنة أو حرفة دون أن يكون متذوقًا للموسيقى إنها تغمر الحياة بالإنسانية والمرونة والعدل إذن المستمع المتذوق الموسيقي مشترك في الإبداع لأن الفن لا يوجد إلا في ضمير البشر وفي ذاكرتهم ولا يكون عذبًا إلا عندما يتردد رنينه في تاريخ الذكريات وفي عقول صحيحة تربط بين الحاضر والماضي في لحن واحد متكامل.
كلٌّ مِنّا يدّعي معرفة الموسيقى الرفيعة ليبدو مثقفاً ومتحضرًا ..فتعالوا نحول الادّعاء إلى حقيقة وندرس جوانب التذوق الموسيقي ولنتفق أولاً على أعدى أعداء الفن الموسيقي تجار الموسيقى الذين يقبل على تجارتهم كل مستمع دون غناء وتسري السموم في أسماعهم وتختلط في كيانهم وذاكرتهم مع ما يأكلون ويشربون ومع ما يؤدون في الحياة من أعمال تدنس الوجود إن الموسيقى لغة لا نقرؤها ولا نراها ولا نحسها مجسّدة إلا في أعماقنا وضمائرنا فكيف نقبلها مع الأميين وكيف نتركها في أيدي تجار عابثين إلا إذا كنا نحن مشاركين في سخف الحياة وانحطاط السلوك وتلوث البيئة وتخلف البشرية ...
بحث في علم الموسيقى أصلها ونشأتها وتعريفها وتاريخها
جمعه الباحث في الفنون والآداب الإنسانية د./ عبدالمجيد محمد باعباد
تمثل الموسيقى فنًّا أصيلًا وعلمًا رئيسًا في قطاع الحضارات الإنسانية القديمة والحديثة منذ فجر الإنسان الأول وهي لذلك ترتبط به في رحلته الطويلة عبر الأجيال ومن خلال التطور الحضاري الهائل، تشكل علم الموسيقى بالتبعية وفقًا لملامح كل عصر وفكره وأحاسيسه ووفقًا لملامح كل بيئة.
وقبل أن نبدأ الحديث عن تاريخ الموسيقى في حضارة الإنسان قد يقول قائل: ما هي الموسيقى؟
إنها علم الشعور والإحساس وهي تروي الأرض والناس ودماء الوجدان وألحان الزمان والمكان، تدفع الحياة في قلوب البشر، وسر يحكم الروح، وصوت يرتفع بالإنسان ويجعل منه حكمة وعبقرية ووحدة نبض الوجود، وإيقاع الأمل وعزاء وبراء وفداء ونشيد، يعزف بها كل البشر ، وترددها الطبيعة والتاريخ والأساطير والعقائد والأديان والكون والأحلام دون ضجر ، إنها اللغة الوحيدة التي يفهما كل العالم .
وفي الحضارات القديمة كانت الموسيقى وسيلة رئيسة للعبادة والربط بين الآلهة والبشر ونشر التعاليم والقوانين والفضيلة والتربية فضلاً عن استخدامها في الحروب كوسيلة لتوحيد المشاعر وشحن الأحاسيس ودفع الحركة البشرية وتنظيمها وألحانها هي لحن تحريك الجيوش وترتيبهم، كما صاحبت الرقص والطقوس الدينية والتقاليد الاجتماعية.
كانت بلاد الشرق بلاد العرب حالياً مركز الحضارات القديمة وعلى رأسها اليمن والعراق ومصر موطن الإنسان الأول وهي بلاد مجرى الأنهار امتدادًا من حضارة اليمن إلى حضارة بابل وحضارة وادي النيل وهكذا ظلت روح الشرق منبعًا خصبًا ومصدرًا دائماً لإلهام الكثير من عظماء مؤلفي الموسيقى في كل بقاع العالم.
لقد عرف الإنسان الأول المقامات والإيقاعات وتفوقت المدنيات القديمة في هذين العنصرين وقد ظلا حتى الآن يمثلان أهم عناصر الموسيقى في كافة البقاع ومن كل الأساليب الموسيقية حتى بداية القرن العشرين لكن تبسيطًا للقارئ الكريم نورد
أصل الموسيقى ونشأتها وتعريفها وتاريخها.
تعريف الموسيقي وطبيعتها ونشأتها:
الموسيقى لغة: لفظ يوناني يطلق على فنون العزف على آلات الطرب ولفظة موسيقى باللاتينية مشتقة من لفظة موس ومعناها إله من آلهة الفنون .
علم الموسيقى:
علم يبحث فيه عن أصول النغم من حيث التآلف أو التنافر و أحوال الأزمة المتخللة بينها، ليعلم كيف يؤلف اللحن طبيعة الفن الموسيقي عند القدامى لقد كان القدماء يؤمنون أن للموسيقى في النفس تأثيراً يتجاوز تأثير سائر الفنون فيه، وآية ذلك تلك القصص والأساطير العديدة التي نسبت إلى الموسيقى قوى خارقة تؤثر على الطبيعة،أو على النفس الإنسانية ، فتجعلها تنقاد لإغراء عرائس البحر مع أن في ذلك حتفها.
وفي عالم العقائد كان للموسيقى أهمية كبرى حيث كانوا يستعينون بالموسيقى في بث الإيمان بها في نفوس الناس حيث كانت الموسيقى الأوروبية خلال العصور الوسطى مرتبطة بالكنيسة وفضلاً عن ذلك فإن الموسيقى تستند إلى أساس علمي يتضمن الطبيعة والرياضيات، كما أن بينها وبين كل من الأدب وسائر الفنون روابط وثيقة إلى حدٍّ ما، ولقد تأثرت الموسيقى بالشعر وفن العمارة والنحت والتصوير والرقص والتمثيل والفنون الآلية ، كما أنها قد كانت موضع اهتمام الفلاسفة والتأمل في المعنى الباطني للحياة الإنسانية ومنذ القدم أي من أ كثر من ألفي سنة ،خضعت جميع الإنجازات في الموسيقى لأحوال الحضارة في العصور المختلفة ، وبالتالي توقعوا تأثر الموسيقى الحديثة بالتربة التي نشأت فيها كما توقعوا انعكاس معتقدات العصر الحالي والأحوال الفكرية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية السائدة عليها.
أصل الموسيقى ونشأتها من أقدم الفنون عهداً في تاريخ الإنسان و لا يُعلم أصلها بوجه التحقيق،وقد أدجنت سماؤها و تنكرت معالمها أحقاباً متطاولة لعجز الأقدمين عن استقراء حقائقها.ومما لا تخالطه شبهه أن الموسيقى كانت في أول عهدها مقصورة على الصوت الطبيعي أي أن الموسيقى عبارة عن إيجاد لعناصر الطبيعة ( كصوت الطيور و الحيوانات و الأنهار و الأشجار و غيرها ) ، إلى أن تنبه الإنسان بذكائه على سبيل الإنفاق إلى اختراع الآلات عند سماعه صفير الهواء المتولج في الثقوب، فاستعمل للنفخ أنابيب القصب، و للعزف أوتار القسيّ.وقد وصلت الموسيقى إلى العرب عن طريق اليونان والفرس فلابد أن نرجع في بيان معنى الموسيقى في لغة العرب وهو العزف إلى القواميس العربية؛ فإننا نجد أن أصل العزف في اللغة العربية هو: صوت الرياح ودويها؛ ثم أطلق العرب العزف على صوت آلات الطرب؛ وسموا هذه الآلات: معازف؛ جمع معزفة، وسموا اللاعب بها والمغني: عازفاً؛ فالمعازف في اللغة العربية اسم يطلق على كل آلات الملاهي التي يعزف بها وتحدث أصواتاً مطربة، كالطبل والعود والطنبور فيدخل في اسم (المعازف) ما يعرف اليوم بالموسيقى، فهي أصوات وألحان وأنغام مطربة، تصدر عن آلات ومهما كان اسم هذه الآلات.
والحق أنَّ المعازف وآلات الطرب كثيرة، منها ما عرف قديماً، ومنها ما عرف حديثاً، وحتى تتضح المسألة أكثر أن الموسيقى كعلم وفن عرفه العرب من حضارة اليونان لكن الذي زاد علم الموسيقى تطوراً وازدهاراً هو فضل علماء المسلمين في تطوير هذا العلم في عصر الترجمة من لغة اليونان إلى اللغة العربية لكن الدور الذي أسهمه العلماء في عصر الحضارة الإسلامية وما قام به العلماء المسلمون كالفارابي والكندي والخوارزمي وابن الهيثم وغيرهم في تفكيك عقد هذا العلم وتسهيله وتطويره وفك حساباته ورموزه وتبسيط معادلاته.
وإذا أردنا أن نتبين أن علم الموسيقى كان له دور في اللغة العربية وا لمعاني التي تتجسد فيها الأصوات الموسيقية لوجدنا أن الأصوات تقابل الكلمات في اللغة العربية وفي الفنون القولية التي تعتمد اللغة في وجودها وفي وسائل التعبير بوجه عام وكما أن الكلمة تحمل المعاني والأفكار في هذه الفنون وتشكل وسيلة تناقلها بين البشر فكذلك الأصوات الموسيقية تتشارك اللغة في نفس الصفات، ولوجدتم أن الشعر العربي هو موسيقى اللغة العربية وأن علم العروض والبحور التي أسسها الخليل بن أحمد الفراهيدي قائمة على أساس علمي لغوي صوتي موسيقي ناهيك عن ارتباطها باللغة وقواعدها ونحوها لذلك في لغتنا موسيقى لا توجد في أي لغة من لغات العالم ،لذلك فالأدب والشعر العربي شكل رافداً علميًا لتطوير علم الموسيقى قبل أن يعرفها الغرب كعلم بحد ذاته إلا بعد أن عرفوها عن طريق كتب علماء المسلمين الذين وضعوا لها حسابات وزموزاً. بعد ذلك أخذت الأمم الآخرى بترجمة تراثنا العربي مع تناسي دور علماء الحضارة الإسلامية،
فالجملة في الأدب والشعر تقابلها الجملة الموسيقية المكونة أيضًا من عرض لفكرة تطرح للبحث والتنفيذ والتفاعل وهكذا فإن المعنى في الفن الموسيقي تحمله الألحان أو ما يسمى بالأفكار الموسيقية التي يبنى عليها العمل الموسيقي وهو الأفكار والألحان هي التي تتكامل في نسيج لحني وبناء انفعالي لتكون الموضوع العام الذي يحمل أفكار المؤلف وأحاسيسه ومضمونه العام في عمل كبير متكامل. وعندما نستمع إلى أداء جيد لعمل موسيقي فإننا نتجاوب معه عاطفيًا لما يحركه في نفوسنا من أحاسيس وبعض هذه الأحاسيس تحركها فينا أصوات الآلات النحاسية مثلاً وهي تعلن عن ذروة في بناء اللحن وأحاسيس أخرى تفجرها فينا أصوات إيقاعية ترتبط بنبضات قلوبنا ومشاعر أخرى تطفو في نفوسنا مع لحن هادئ يعبر عن السلام والحب .. وعلى ذلك فإن التجاوب البشري للأداء الموسيقي يرتبط بنوعية الأداء ويختلف باختلاف الظروف المحيطة بالمستمع لأن العنصر العاطفي للتجاوب الإنساني مع الموسيقى هو عامل مهم في تعميق أحاسيس البشر ومفاهيمهم وفي تحريك مشاعرهم وسرعة استدعائهم في أعماق نفوسهم .. وكل ذلك يزداد قوة وعمقًا باطِّ راد زيادة الخبرة في الاستماع والتذوق الموسيقي ، ويتحقق المعنى الموسيقي ويتضح للمستمع من خلال الأحاسيس التي تكمن بين ثنايا الأنماط الموسيقية المختلفة وتختلف باختلاف أنواعها وباختلاف العلاقات بين الأصوات والتراكيب السمعية وتتباين وفقا لتباين التنظيم الداخلي للأفكار الموسيقية وكيف يمكن أن يكون الإنسان عظيماً أو مجيدًا أو حاكمًا لمهنة أو حرفة دون أن يكون متذوقًا للموسيقى إنها تغمر الحياة بالإنسانية والمرونة والعدل إذن المستمع المتذوق الموسيقي مشترك في الإبداع لأن الفن لا يوجد إلا في ضمير البشر وفي ذاكرتهم ولا يكون عذبًا إلا عندما يتردد رنينه في تاريخ الذكريات وفي عقول صحيحة تربط بين الحاضر والماضي في لحن واحد متكامل.
كلٌّ مِنّا يدّعي معرفة الموسيقى الرفيعة ليبدو مثقفاً ومتحضرًا ..فتعالوا نحول الادّعاء إلى حقيقة وندرس جوانب التذوق الموسيقي ولنتفق أولاً على أعدى أعداء الفن الموسيقي تجار الموسيقى الذين يقبل على تجارتهم كل مستمع دون غناء وتسري السموم في أسماعهم وتختلط في كيانهم وذاكرتهم مع ما يأكلون ويشربون ومع ما يؤدون في الحياة من أعمال تدنس الوجود إن الموسيقى لغة لا نقرؤها ولا نراها ولا نحسها مجسّدة إلا في أعماقنا وضمائرنا فكيف نقبلها مع الأميين وكيف نتركها في أيدي تجار عابثين إلا إذا كنا نحن مشاركين في سخف الحياة وانحطاط السلوك وتلوث البيئة وتخلف البشرية ...

تعليقات
إرسال تعليق