ثورة الأسنان ... بقلم ا.د/ محمد موسى
القصة القصيرة
ثورة الأسنان
عاشوا معاً سنوات عديدة وعددهم إثنين وثلاثون سنه ودرس وناب ، وتَحملوا
فوضى هذا الإنسان ، من أكل الساخن ثم البارد دون نظام ، والحلو والحار بلا
أى حساب لتحمل هذه الأسنان ، وفي يوم من الأيام قرر الدرس الموجود في الصف
العلوي الأيسر قبل درس العقل ألا يصبر على هذا الكلام ، وقرر مغادرة الفم
بعد هذه السنوات وتركْ الأخوة من الأسنان ، بعد عشرة طويلة ، وبعد مفاوضات
معه لعله يصبر الباقي من الأيام ، ولكنه قرر أن يخرج ويترك في هذا الإنسان
، وفعلاً ترك الفم ورغم ما خلف من أحزان ، إلا أن الإنسان يعلم أن الفراق
ملازم للوجود في هذا الزمان ، لذلك تم تسليم الأمر لله سبحانه وتعالى فلا
راد ولا كلام ، ويوم فراقه قال صاحبه لله الأمر من قبل ومن بعد وللطبيب نام
، ولما عاد من عند الطبيب وعدد ما في فمه واحد وثلاثون الباقي بالتمام ،
بعد فقد درس الذي أخذه معه ووضعه في عُلبه في مكتبه ذكرى لزمان كان ،
وأعتقد أن الأمر قد إنتهى مع السكان ، ولكن لما جاء الليل حدث ما لم يكن في
البال والحسبان ، فإذا كل الأسنان في الفم قد إتفقت على جعل هذه الليلة
ليلةٌ فيها لا ينام ، فكل الأسنان معاً قاموا بثورة وأشتعل الفم الماً بلا
حنان ، وكأنهم ينعون رفيق عمرٍ قد إفتقدوه لما تركهم وهام ، ليالي وأيام
وهم لا يسكتون عن الكلام ، حولوا الليل والنهار إلى ألمٍ محتمل بعض الوقت
لينام ، وغير محتمل الوقت الباقي ليشعر بالفراق والآلام ، وأخذ الرجل كل
المسكنات وكل المهدأت حتى يستريح وينام ، وهم أبداً لم يرضوا يالها من ثورة
أسنان ، حاول التفاهم معهم بأن قدر الله قد كان ، ولكن ظلت الثورة مشتعلة
في فمهِ وأشتدت الآلام ، وفجاءة قام آخر وهو الكبير فيهم بإعلان العصيان ،
وهو درس العقل الموجود في الجزء الأسفل من الجانب الأيمن بالإنذار وبأشد
الآلام ، وأنه قرر المغادرة فيبدوا أنه في هذا الفم لا آمان ، وحاول صاحب
الفم التفاهم ودرس العقل لا يلين لأي كلام ، هدد بألم بسيط ثم لما تجاهله
الرجل صاحب الفم والأسنان ، أعلن الحرب بألم غير محتمل لأي إنسان ، حاول
الرجل أخذ مسكنات له ولم يفلح ولم ينام ، وظل هكذا تكاد تفجر رأس الرجل من
الآلام ، حتى إستسلم صاحبه في النهاية وبدون زيادة في الكلام ، وعرف أنه
لابد من تحقيق رغبته في السماح له بمغادرة الفم وباقي الأسنان ، وسأل الرجل
نفسه هل سيظل كل مدة يستسلم لأحدهم فيقل في فمه عدد الأسنان ، ويضطر إلى
أن يعطي كل من يطلب السماح بترك الفم والأسنان ، حتى يصبح الفم خاليا من
الذين كانوا يزينون وجه الإنسان ، ويعطون للفم الشكل الجميل وكأنه ضياء
وبيان ، وللحياة زينة وهكذا صدقت الأسنان في القول أن بقاء الحال من المحال
وسبحان الخالق الحنان .

تعليقات
إرسال تعليق